قلّما يخلق شخصٌ في دنيا كرة القدم من الجدل ما يخلقه العميد حسام حسن، ذلك الرجل الذي يظل السؤال معلقًا حوله: أهو مدرب عبقري ينفذ برؤية ثاقبة، أم منفعل تخونه أعصابه في لحظات الحسم؟ وما بين هذا وذاك، تبقى سيرته التدريبية ميدانًا للتأويل ونقاشًا لا ينضب.
اضافة اعلان
ولستُ أدّعي هنا البراءة من الموقف، فقد كنتُ في زمنٍ غير بعيد من أشد الناقمين على نهجه؛ على حدة طباعه، وتصريحاتٍ كانت تغلب عليها العصبية، وعقليةٍ بدت أقرب إلى الجمود منها إلى المرونة. لكن المشهد الكروي تبدّل منذ أن اعتلى العميد قيادة المنتخب الوطني، فما إن شرع في بناء كتيبته حتى بدأت ملامح أداءٍ لم تشهد له مثيلًا منذ عهد حسن شحاتة، وإذ بالجماهير، وأنا معها، نعيد النظر في كثير من الأفكار المسبقة.
وجاءت المواجهة التاريخية مع الأرجنتين لتكون الفصل الأكثر دلالة في مسيرة حسام حسن. فما إن أعقبت صافرة النهاية حتى نهض نقاد التحليل الفني يتساءلون: ألم يكن الأجدر أن يدفع بحسام عبد المجيد ليسد الخلل الدفاعي ويُحكم إغلاق المنطقة الخلفية؟ ألم يكن الأولى أن يتراجع بالجبهة الدفاعية في الدقائق العشر الأخيرة محافظةً على التقدم؟
لكن الأيام حملت ردًا عمليًا لا يقبل الجدل، إذ سعى المدرب الألماني المخضرم توماس توخيل في نصف النهائي إلى إعادة إنتاج تلك المقاربة الدفاعية ذاتها، فدفع بمدافع طويل القامة لتعزيز العمق وإحكام السيطرة على الكرات العرضية، فإذا بفريقه ينهار ويتلقى هدفين في غضون ثماني دقائق، وسط فرص ضائعة كان بإمكانها أن تجعل الوضع أكثر إيلامًا. لقد أثبت توخيل، دون أن يتعمد، أن الانكماش السلبي ليس عصًا سحرية، بل ربما كان جرعة سمٍّ زادت من جراح فريقه.
وفي المقابل، سلك حسام حسن دربًا مغايرًا. فمنذ الدقيقة الخامسة عشرة، ورغم التقدم المبكر بهدف، أبى أن يركن حافلة الدفاع أمام المرمى، وآثر مواصلة الضغط وهجومية الأداء، فخرج من الشوط الأول بما يشبه البيان الكروي الواضح عن شخصية الفريق.
وفي الشوط الثاني، حيث كان من الطبيعي أن ينكمش أي مدرب خشية أن تضيع منه غنيمة العمر، ظلّت الكتيبة المصرية محتفظة بروحها الهجومية ذاتها، وأحرزت هدفًا من طراز رفيع أُلغي بقرار تحكيمي أثار في النفوس أكثر من علامة استفهام، ثم عادت وسجلت ثانيًا، مانحة الجماهير لحظات من البهجة الصافية لا تُقدّر بثمن.
وحين اشتدت وطأة الضغط الأرجنتيني، ولا سيما مع وجود الأسطورة ليونيل ميسي، أدرك العميد أن الاستمرار في التحصين الدفاعي، حتى بكل الصفوف، لن يفلح طالما أن خطأً فرديًا واحدًا قد يكلف الفوز. فكان قراره الجريء بالدفع بثنائي السرعة تريزيجيه ومرموش لشن هجمات مرتدة، تأكيدًا للحكمة الكروية التي تقول إن خير وسائل الدفاع هو الهجوم.
وما لبثت التبديلات أن أثبتت حكمتها، إذ اهتزت شباك الأرجنتين مرارًا، وأُهدرت فرص كانت كفيلة بتسجيل الهدفين الثالث والرابع. بيد أن التقصير هنا لم يكن من صنع رؤية المدرب، بل كان راجعًا إلى أنانية بعض المهاجمين، وضعف قراءتهم للموقف، وتراجع أداء تريزيجيه في بعض اللقطات، وإهدار مرموش لفرصة محققة وهو منفرد بالمرمى.
ولو أن واحدًا منهما كان في يومه، لكانت النتيجة تشير إلى 3-1 أو حتى 4-1، ولتغيّرت نظرة النقاد إليه، ولأصبح التقدير هو السائد بدلًا من الجدل العقيم.
فلنضع الأمور في نصابها الموضوعي. ففي تصفيات أمم إفريقيا تصدرنا مجموعتنا بأربع عشرة نقطة من دون خسارة، وفي تصفيات كأس العالم تربّعنا على صدارة مجموعة ضمت بوركينا فاسو وغينيا بيساو بكل جدارة واقتدار.
وفي كأس الأمم أطَحْنا بكوت ديفوار، أحد أقوى المنتخبات آنذاك، بأداء مشرف، وفي المباريات الودية انتصرنا على روسيا، وسحقنا السعودية في عقر دارها برباعية، وتعادلنا مع إسبانيا التي بلغت النهائي، وكاد الفوز أن يكون حليفنا لولا العارضة، وخسرنا بصعوبة بالغة أمام البرازيل.
ومع كل هذا، قيل: “تصفيات هزيلة، ووديات لا تُوزن”، بينما في عام 2018 كنا نئن تحت وطأة مواجهات أوغندا والكونغو، وكادت غانا أن تتفوق علينا رغم تراجع مستواها آنذاك.
فلنتخيل للحظة لو أن العميد كان ممسكًا بزمام المنتخب منذ خمس سنوات، أين كانت كرة القدم المصرية لتكون اليوم؟ بدلًا من تبديد الأموال على مدربين أجانب لم يحققوا ثلث ما حققه هذا الرجل في زمن وجيز، لكنا قد أقمنا جيلًا متكامل القوام، متين الشخصية، واضح الرؤية.
وبكل موضوعية وإنصاف، كان منتخب مصر في مونديال 2026 واحدًا من أمتع المنتخبات وأكثرها حضورًا في الروح الجماعية، والشخصية الهجومية، وصناعة الفرص. ولو وُفِّقنا في تفاصيل يسيرة، كالتحكيم المتعسف، وأنانية اللاعبين في لحظات مفصلية، لكنا في موضعٍ آخر.
كل يوم يمضي يزداد يقيني بأننا أمام مدرب من طراز رفيع، يعرف كيف يغرس في لاعبيه روح الانتماء، ويجعلهم أهلًا لتاريخ مصر الكروي المجيد.
وللعميد، ومن خلفه أولئك الرجال، كل التقدير والامتنان، فهم الذين رفعوا أحلامنا عاليًا، وجعلوا الملايين تردد أسماءهم في المحافل الدولية. إنها ملحمة خالدة، وقصة تستحق أن تبقى في الوجدان