A A A
احمد الشربيني

أحمد الشربيني



في زحمة الإخفاقات المتتالية التي يعيشها الفريق الأول بالنادي الأهلي، يبرز سؤال جوهري يتجاوز حدود التحليل الفني العابر إلى جوهر الأزمة: كيف تحولت سياسة التعاقدات في القلعة الحمراء من أداة للبناء والتدعيم إلى معول هدم حقيقي يهدد كيان الفريق ويُفقد الجماهير شغفها الكروي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تقودنا بالضرورة إلى فتح ملف "الصفقات الفاشلة" التي باتت تشبه صفقات "الأسلحة الفاسدة" في العصر الملكي التي باتت تشكل العقدة الأكبر في مسيرة النادي خلال السنوات الأخيرة.
فمنطق التعاقدات بين الرؤية الفنية وفوضى القرار يبرز نوعاً من العشوائية والعبثية التي لم نعهدها من قبل عن الإدارة الاهلاوية وصانعي القرار داخل مجلس إدارة القلعة الحمراء
فلطالما كان الأهلي نموذجًا يُحتذى به في انتقاء اللاعبين، حيث كانت الصفقة تُبنى على دراسة متأنية لحاجة الفريق، وقناعة فنية كاملة بمهارات اللاعبين، ومتابعة دقيقة للياقتههم ولمساتهم قبل التعاقد معهم. لكن ما نراه اليوم يشبه إلى حد كبير لعبة المقامرة غير المدروسة ؛فالتعاقد مع مهاجم برتغالي مثل "كاموش" بهذه العقلية الهجومية المتراجعة واللياقة البدنية المتواضعة، لم يكن مجرد خطأ في التقدير، بل هو تجسيد حي لغياب أبسط المعايير الفنية الأساسية في عملية الاختيار. وإلا فهل يعقل لمهاجم محترف أن يضيع فرصة سهلة لايمكن أن تُهدر، برأسية رعناء كانت كفيلة بأن يسجلها أصغر ناشئ في قطاع الأشبال؟!
والامر ليس وليد اليوم فثمة مسيرة مخيبة لآمال الجماهير بفعل صفقات بلا بصمة  
ولا يمكن الحديث عن الصفقات الفاسدة دون التوقف عند تجربة "جدو موديست" الذي جاء بضجة إعلامية، لكنه غادر بهدوء مخذل، تاركًا خلفه ذاكرة هجومية فارغة. ثم يأتي من بعده البرتغالي كاموش ليؤكد أن المشكلة ليست في الأفراد فقط، بل في المنظومة التي تجيز التعاقد مع لاعبين لا يضيفون للفريق شيئًا، بل يستهلكون من رصيده التهديفي ويحرمونه من نقاط ثمينة في سباق البطولات.
والأدهى من ذلك، أن هذه الصفقات تأتي في توقيت يمر فيه الفريق بظروف صعبة، في ظل عدم توفير بديل يعادل كفاءة وسام أبو علي ونجاعته الهجومية وغياب زيزو وتريزيجيه للإصابة، وعدم الجاهزية الكاملة لبعض العناصر الأساسية،كمحمد شريف وكأن إدارة التعاقدات تعيش في عالم موازٍ لا علاقة له بواقع الفريق على أرض الملعب.
ومن ثم فالسؤال الذي يدور في ذهن كل مشجع أهلاوي: أين الخلل؟
 أهو في سوء اختيار اللاعبين فقط؟ أم أن هناك خللاً أعمق يتعلق بآلية اتخاذ القرار؟ الحقيقة أن ملف التعاقدات في الأهلي أصبح يعاني من آفة البيروقراطية وتضارب المصالح. فبدلاً من أن يكون قرار التعاقد فنيًا بحتًا، نلاحظ للأسف تدخل اعتبارات أخرى لا تخدم مصلحة الفريق، من بينها لعنة البيزنس وشهوة السمسرة والعمولات حتى ولو كان ذلك على حساب الموهبة الحقيقية والاحتياج الفعلي للفريق الأهلاوي.
حقيقة لقد تحول ملف التعاقدات إلى سوق مفتوحة يتصارع عليها الوسطاء، بينما يدفع الفريق الثمن على أرض الملعب. وكان الأجدر بالإدارة أن تعيد إحياء الآلية القديمة التي أنتجت لنا عظماء الكرة المصرية: كعماد متعب، وأحمد بلال، ومحمد فضل،وعلاء إبراهيم وغيرهم ممن جابوا الأقاليم لاكتشاف المواهب المحلية الواعدة، بدلًا من الاستيراد العشوائي الذي أثبت فشله مرارًا وتكرارًا.
فالنتائج على أرض الواقع مخيبة لآمال الجماهير
وواقع الأهلي اليوم خير شاهد على فداحة الأزمة. فالأهلي نراه بالأمس القريب قد خرج من كأس مصر، ثم مؤخرًا يحتل مركزًا لايليق به في مقدمة الدوري (الرابع)، ونطالعه الليلة يتصدر مجموعته الإفريقية بشق الأنفس بتعادل سلبي كسيح بعد أكبر عدد من التعادلات العقيمة. 
ولعل هذا المشهد الكئيب ليس نتاج صدفة، بل هو حصيلة تراكمية لصفقات فاشلة، وقرارات تعاقدية غير موفقة، أضاعت هوية الفريق الأحمر وجعلته يعيش حالة من الشلل الهجومي والعقم التهديفي المزمن.
ورسالتي إلى مجلس الإدارة ككل أهلاوي بسيط :كفاكم صفقات استهلاكية
 فجماهير الأهلي المتعطشة للبطولات لم تعد تطيق مشاهدة هذا المستوى المتواضع للفريق ولن تتحمل نزيف النقاط المتتالي مباراة تلو أخرى وقد صارت الليلة تنتظر من إدارة النادي عقب المباراة عقد اجتماع طارئ كوقفة جادة مع الذات ومحاسبة المقصرين والسماسرة المغرضين.
فلابد أيها السادة من تغيير ملف الصفقات تغييرًا جذرياً لوقف نزيف الصفقات الفاسدة، والعودة إلى الأسس العلمية في اختيار اللاعبين، والابتعاد عن منطق البيزنس والسمسرة، وإحياء آليات اكتشاف المواهب المحلية التي كانت يوماً مصنعاً للنجوم.
 فالأهلي بحاجة إلى مهاجمين على شاكلة مهارة فيلكس، وعنترية فلافيو، وسحر إيفونا، وفعالية وليد أزارو، وقتالية وسام أبو علي، وليس إلى مهاجمين معوقين يثقلون الفريق بدلًا من أن يرفعوه ولابد من النزول بأعمار الفريق إلى أوائل العشرينات فقد هرم الفريق وشاخ لاعبوه!! 
وحان وقت المراجعة، قبل أن تتحول الصفقات الفاسدة من مجرد أزمة فنية إلى كارثة رياضية ستطول سمعة نادي القرن العريق وتاريخه الأنيق.
ولله در المشجع الأهلاوي الذي تندر عقب المباراة بعد تعادل الأهلي وقال ساخرًا:((لاتجري يا إمام جري الوحوش خط الوسط حلق حوش والأجنحة كلها فنكوش وهجومك فيه أوتاكا وكاموش!!))
د. أحمد الشربيني
اضافة اعلان