في زمنٍ كانتْ فيهِ كرةُ القدمِ مجردَ لعبةٍ يمارسُها جنودُ الاحتلالِ الإنجليزيِّ في ملاعبِ القاهرةِ، يكتفي المصريونَ فقط بمشاهدتها بعين تملؤها الحسرةِ والحرمان، ثمة طفلٌ صغيرٌ كان يركض خلفَ كرةٍ منْ جواربَ قديمةٍ في أزقةِ حيِّ الحسينِ، لا يعلمُ أنَّ اللهَ قدْ اختارَه ليكونَ عرَّاب الكرةِ المصريةِ، ومهندسَ نهضتِها، وأولَ منْ يوحدِ القطبينِ في حبٍّ واحدٍ.
اضافة اعلان
ذلكَ الطفلُ هوَ حسينُ محمدُ حجازي، الذي وُلِدَ عامَ 1889 في أسرةٍ ثريةٍ منْ كبارِ مزارعيِ القطنِ، لكنَّ الترفَ لمْ يسرقْ منه شغفَ الترابِ والكرةِ، بلْ قضى طفولتَه يركلُ المستديرةَ في شوارعِ قريتِه، وكانَ والدهُ يتبعهُ كلَّ يومٍ ليعتذرَ للجيرانِ ويعوِّضَهم عمَّا تكسِرُه قدمُ الصغيرِ حسينَ.
وفي المدرسةِ السعيديةِ، انطلقتْ موهبتُه كالصقرِ، فقادَ فريقَها لأربعِ سنواتٍ منَ الانتصاراتِ المتتاليةِ دونَ هزيمةٍ واحدةٍ، وكأنَّ الأرضَ كانتْ تنحني أمام قدميهِ.
لكنَّ طموحَه لمْ يتوقفْ عندَ حدودِ القاهرةِ، بلْ سافرَ إلى إنجلترا عامَ 1911 ليدرسَ الهندسةَ في جامعةِ لندنَ، وهناكَ، حيثُ التقى بكرةِ القدمِ الإنجليزيةِ لأولِ مرةٍ، انقلبتْ حياتُه رأسًا على عقبٍ.
ففي 23 سبتمبرَ 1911، خاضَ حجازي أولَ مباراةٍ لهُ معَ نادي “دولويتش هاملت” اللندنيِّ، وبهرَ الجميعَ بأسلوبِه الساحرِ الذي لمْ يألفوه.
حيث لمْ يكنِ المهاجمُ المصريُّ يشبهُ لاعبي إنجلترا في ذلكَ الزمنِ، الذينَ كانوا يلعبونَ بقوةٍ وضخامةٍ، بلْ كانَ نحيفًا سريعًا، يجيدُ المراوغةَ والتسديدَ، ويقرأُ الملعبَ بعينِ الفنانِ.
وبعدَ شهرٍ واحدٍ فقطْ، شاهدهُ فريقُ “فولهام” المحترفُ، فدعاهُ للعبِ مباراةٍ تجريبيةٍ.
وفي 11 نوفمبرَ 1911، أصبحَ حسينُ حجازي أولَ لاعبٍ إفريقيٍّ في تاريخِ الدوريِ الإنجليزيِّ، وأحرزَ هدفًا بعدَ خمسَ عشرةَ دقيقةً فقطْ منْ انطلاقِ المباراةِ، ليكتبَ اسمَه بحروفٍ منْ نورٍ في تاريخِ الكرةِ العالميةِ.
وقد تغنَّى بهِ الصحفيُّ الإنجليزيُّ بقصيدةٍ قالَ فيها: “فولهامُ فخورٌ بلاعبِها منَ القاهرةِ، حسينُ إذا سدَّدَ يكونُ رعبًا للخصومِ”.
لكنَّ حجازي فاجأَ الجميعَ عندما رفضَ الاحترافَ، وقالَ بكلِّ اعتزازٍ: “أردتُ بشدةٍ أنْ ألعبَ في دوري المحترفينَ، لكنَّني لا أريدُ أنْ أغادرَ دولويتشَ هاملت الذي أحسنَ معاملتي”.
فكانَ موقفًا نادرًا نالَ إعجابَ الجميعِ، وأطلقَ عليهِ مدربُه لقبَ “أشرفِ رجلٍ وطأتْ قدماهُ ملعبَ كرةٍ”.
ثم عادَ حجازي إلى مصرَ عامَ 1914، ومعَ اندلاعِ الحربِ العالميةِ الأولى، وجدَ نفسَه في بلدٍ محتلٍّ، تتنافسُ فيهِ فرقُ الجنودِ الإنجليزِ وفرقُ المصريينَ الصاعدةِ.
فأسَّسَ فريقًا باسمِ “حسينِ حجازي الثاني”، ثمَّ انضمَّ إلى النادي الأهليِّ عامَ 1915.
لكنَّه في عامِ 1919، وعلى غيرِ المتوقعِ، انتقلَ إلى نادي الزمالكِ (المختلطِ آنذاك) ليَقودَ الفريقَ الملكيَّ لإنجازٍ تاريخيٍّ: الفوزِ بكأسِ السلطانِ حسينَ عامَ 1921، وهى أولُ بطولةٍ يفوزُ بها فريقٌ مصريٌّ على الإطلاقِ، بعدَ أنْ تغلَّبَ على ستةِ فرقٍ عسكريةٍ بريطانيةٍ.
وكانَ حجازي هوَ منْ أحرزَ هدفيِ الفوزِ في المباراةِ النهائيةِ أمامَ فوجِ “شيروود فوريسترز” البريطانيِّ الذي كانَ لمْ يُهزَمْ طوالَ الموسمِ.
ثمَّ عادَ إلى الأهليِّ عامَ 1924، لكنَّه رحلَ عنه بعدَ أربعِ سنواتٍ لسببٍ طريفٍ: كانَ يريدُ لعبَ البلياردو، ولمْ تكنْ في الناديِ الأهلي آنذاك طاولة!
فكانَ هذا التنقلُ بينَ القطبينِ، في زمنٍ كانتْ فيهِ الانتقالاتُ نادرةً، سببًا في تأجيجِ المنافسةِ بينَ أشهرِ ناديينِ في مصرَ وأفريقيا، لكنَّ حجازي ظلَّ فوقَ الخصوماتِ، رمزًا للروحِ الرياضيةِ النبيلةِ.
فلمْ يكنْ حسينُ حجازي مجردَ لاعبِ أنديةٍ، بلْ كانَ قائدَ المنتخبِ المصريِّ الأولِ، الذي خاضَ أولَ مباراةٍ دوليةٍ لهُ عامَ 1916، وقادَ الفراعنةَ في دورتَيِ الألعابِ الأولمبيةِ عامَ 1920 في أنتويربَ، وعامَ 1924 في باريسَ.
وكانَ إلى جانبِ ذلكَ، عضوًا في أولِ مجلسِ إدارةٍ للاتحادِ المصريِّ لكرةِ القدمِ عندَ تأسيسِه عامَ 1921، وشاركَ في وضعِ لبناتِ الرياضةِ المصريةِ منْ أعلى منصبٍ.
وفي 8 أكتوبرَ عامَ 1961، رحلَ حسينُ حجازي عنْ عمرٍ يناهزُ 72 عامًا، لكنَّ ذكراهُ ظلَّتْ خالدةً في قلبِ القاهرةِ، حيثُ يحملُ شارعٌ اسمَه تخليدًا لذكرى “أبو الكرةِ المصريةِ”.
وحتى الروائيُّ الكبيرُ نجيبُ محفوظ، كانَ يتحدَّثُ عنه بفخرٍ، مؤكدًا أنَّه “طوالَ مسيرتِه، لمْ يرتكبْ حجازي أيَّ مخالفةٍ”.
عزيزي القارئ، في تاريخِ الرياضةِ المصريةِ قلَّما اجتمعَ جمهورُ الأهليِّ والزمالكِ على حبِّ رجلٍ واحدٍ.
لكنَّ حسينَ حجازي، بوطنيَّتِه وموهبتِه وأخلاقِه النبيلةِ، كانَ استثناءً فريدًا، فهوَ الرياضي النبيل الذي جمعَ بينَ غريزةِ الفنانِ وروحِ القائدِ، وبينَ عشقِ الجماهيرِ واحترامِ الخصومِ.
رحلَ الجسدُ، لكنَّ “أبا الكرةِ المصريةِ” ما زالَ حيًّا، في كلِّ ملعبٍ، وفي كلِّ كرةٍ تُركلُ، وفي كلِّ قلبٍ يحبُّ هذهِ اللعبةَ الساحرةَ.
إنَّه رمزُ البداياتِ، ومهندسُ الأحلامِ، ونموذجُ الجدعنةِ التي لا تعرفُ الانتماءَ الضيقَ، بلْ تعرفُ مصرَ الكبيرةَ التي تتسعُ لكلِّ أبنائِها وأنديتها وتطرب للفن والمهارة والبراعة والجسارة.
فتحيةً لروحِكَ يا حجازي، فأنتَ منْ جعلتَ المصريينَ يرفعونَ رؤوسَهم في ملاعبِ العالمِ قبل أن تطأ الكرة جميع البلدان العربية والإفريقية، وأنتَ كأول محترف تعلمنا على يديه أنَّ الكرةَ ليستْ مجردَ لعبةٍ، بلْ هيَ رسالةُ وكرامة وطنٍ بأكملهِ.