A A A
احمد الشربيني

الشربيني

عزيزي القارئ بالأمس  أمام مرأى الكرة الأرضية، حضرت المهارة الأندلسية والعدالة التحكيمية، فأحبطت مؤامرات الفيفا الخفية، وانكشفت الخدعة الأرجنتينية، وشاهدنا واستمتعنا بفنون أندلسية كروية تركض بفرسان قرطبة وأمجاد إشبيلية، لتعزف ألحان غرناطة وبلنسية، وكأن الساحرة المستديرة باتت تتغزل في ولادة المستكفية. فوداعاً للمراهنات ومافيا المونديالات ولصوص الأحلام والمغامرات، ولا عزاء لمنتخب دعمت حكومته الكيان المحتل ووصل للنهائي بسبب التحكيم المُختل، وهنيئاً للمنتخب الإسباني البطل وللأندلس الأبية بجذورها المورسيكية المناصرة للقضية الفلسطينية. شكراً لـيمين يامال وكتيبة الأبطال الذين علموا خصمهم اليوم أبجديات كرة القدم وسفوه النجيلة بلا فم، بعد أن شاخ وباخ وهرم، فركل وهلل وشتت وتفلل، فهزم وندم أمام بطل يعرف أمانة الكَلِم ونزاهة العَلَم، فكافح ونافح فسلم، وصال وجال ففاز وغنم.اضافة اعلان
وفي هذا المقام الأندلسي المهيب، يستحضر القلب أبياتَ شيخنا أبي البقاء الرندي التي ما برحت تنبض في وجدان كل عربي حين يذكر الأندلس، وكأنها كتبت لهذه الليلة بالذات، إذ يقول:
يا راكبين عِتاقَ الخيل ضامرةً
كأنها في مجال السَّبقِ عُقبانُ
وحاملين سيوفَ الهند مُرهفةً
كأنها في مَثار النَّقْع نيرانُ
وراتِعين وراء البحرِ في دَعةٍ
لهمْ بأوطانهمْ عِزٌّ وسُلطانُ
أعندكم نبأٌ منْ أهل أندلسٍ؟
فقد سرى بحديث القوم ركُبانُ
ألَا نفوسٌ أبيَّاتٌ لها هممٌ
أمَا على الخيرِ أنصارٌ وأعوانُ
فكان الجواب الليلة من هؤلاء الفرسان الصغار الذين ركبوا عتاق الخيل ضامرةً فوق أرض الملعب الأخضر، وحملوا سيوفاً أندلسية مرهفة أرعبت خصومهم، فأجابوا شاعرهم من بعيد: نعم، نحن هنا، نحن بقايا تلك النفوس الأبيَّات التي لها همم، نحن أنصار الخير وأعوانه، وقد جئنا لنُعيد للأندلس مجدها ولو بعد حين، ولنعلّم الدنيا أن الجذور المورسيكية لا تموت، وأن الأندلس وإن غابت عن الخرائط فهي حاضرة في القلوب والعقول والأقدام التي تراوغ وتُبدع.
ولئن كانت هذه الليلة الأندلسية الخالدة قد سطرت فصولاً من الجمال الكروي النادر، فإنها حملت في طياتها أيضاً انتقاماً عادلاً من روح التحكيم العنصري الذي طالما عبث بميزان العدالة في هذه البطولة، وكأن الأقدار أرادت أن تجمع في ليلة واحدة بين تتويج الفن الأندلسي وفضح زيف المافيا التحكيمية التي كانت تتربص بمنتخبات عربية شامخة كمنتخب مصر، ذلك المنتخب الذي أُزيح من تكملة مشوار البطولة وهو فائز بهدفين نظيفين حتى الدقيقة الثمانين، في مشهد أليم يشبه السرقة في وضح النهار، حين كانت العنصرية المقيتة والتحكيم المأجور يلعبان دوراً أقبح من أي خدعة أرجنتينية، وقد عبر عن هذا الجرح الغائر المدرب حسام حسن بحركة يديه المتشابكة التي أوجزت معنى العجز والحسرة، كمن يريد أن يقول للدنيا بأكملها: "كيف نلعب كرة ونحن نحارب ظلماً منظماً؟" وفي تلك اللحظات الموجعة شربنا جميعاً كأساً من العلقم، لكننا رضينا بظلم فريق أحرج ذلك المحتل وهز كيانه في ثمانين دقيقة كان فيها المنتخب المصري فارساً لا يُقهر، حينها انقلب كل شيء عكس مساره الطبيعي بفعل فاعل، وكأن السماء قد أغلقت أبوابها في وجه العدالة تلك الليلة، فكانت تلك المباراة جرحاً في خاصرة كل عربي عاش لحظات الفرح ثم سُرقت منه في غمضة عين، وكأن كرة القدم أصبحت لعبة لا تعرف سوى من يملكون المال والنفوذ، ومن يدفعون ثمن البطولات خلف الكواليس.
لكن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وكانت هذه المباراة النهائية هي كأس الترياق الذي شفى غليل كل عربي غاضب، إذ رأينا العدالة التحكيمية تعود إلى موطنها الأصلي وتستيقظ من سباتها العميق، فرأينا حكماً نزيهاً أرضى ضميره قبل أن يرضي جماهيره، حكماً أعطى كل ذي حق حقه ولم يخضع لضغوط المافيا ولا لصيحات الأسماء البراقة، حكماً كان نجم المباراة الحقيقي بكل جدارة، لأنه أعاد الثقة في أن العدالة قد تتراخى لكنها لا تموت، وقد غرس بعيداً عن مستطيلات الفيفا الملوثة فكرة أن التحكيم يمكن أن يكون عادلاً إذا ما تجرد صاحبه من المصالح ومن الإرث العنصري الذي يلاحق المنتخبات العربية كلما اقتربت من تحقيق إنجاز، وأعطى درساً مهيناً لبقية زملائه من الحكام الذين حادوا عن جادة الصواب وتاجروا بالكرامة في مباريات سابقة، فجاء الرد الإلهي واضحاً مزلزلاً، وكأن العدالة كانت تنتظر هذه اللحظة بالذات لتقول للعالم: "ها أنذا أعود بقوة، وإني لأرى كل ما فعلتموه في الخفاء، واليوم سيكون الجزاء من جنس العمل"، فالحكم الذي أدار هذه المباراة النهائية لم يكن مجرد حكم، بل كان ضميراً متحركاً على أرض الملعب، وميزاناً عادلاً أعاد للعبة الجميلة بريقها الضائع، وكانت قراراته أشبه بجراحاتٍ تنزف في قلب المافيا التي اعتادت على التلاعب بالنتائج كما تشاء، وفي كل مرة كان الأرجنتيني يسقط متألماً كان الحكم يبتسم في وجهه ويطلب منه النهوض، وكأنه يقول له: "كفى تمثيلاً، فقد آن أوان العدالة"، وفي كل مرة كان الجمهور الأرجنتيني يصرخ مطالبة بركلة جزاء وهمية كان الحكم يشير بثبات إلى الاستمرار، وكأن ضميره قد نطق بما كان يخفيه الآخرون من خوف وجبن.
وإذا كانت خدعة الأرجنتين قد تكشفت في هذه الليلة الشهمة، فإن خروج منتخب مصر المذل من البطولة وهو فائز بهدفين نظيفين حتى الدقيقة الثمانين كان الدرس الأقسى لكل من تسول له نفسه العبث بمستقبل المنتخبات العربية، فذاك المنتخب المصري الذي أحرج خصمه العنصري طوال ثمانين دقيقة كان يظن أن الفوز في جعبته، وأن التأهل أصبح قاب قوسين أو أدنى، لكن المؤامرة كانت ترسم في غرف مكيفة بعيداً عن الملعب، فإذا بالفيفا وكلابها يأتون من حيث لا يحتسب، ليعيدوا كتابة التاريخ كما يشتهون، وكأن ما حدث في تلك المباراة ليس مجرد خطأ تحكيمي عابر، بل هو جريمة مكتملة الأركان، جريمة كروية تهز أركان النزاهة وتجعل كل من يشاهد كرة القدم يتساءل: هل ما زالت هذه اللعبة جميلة حقاً؟ وهل ما زالت تستحق أن نحلم بها ونعشقها؟ لكن المنتخب المصري بشجاعته وإصراره كان قد كتب اسمه في قلوب الملايين قبل أن تكتب أقدامه نتيجة المباراة، وكأن حركة يديه المتشابكة كانت رسالة إلى العالم بأسره تقول: "إننا نحارب ظلماً منظماً، وإننا سنظل نقاتل حتى لو خسرنا في النتيجة فإننا نربح في الشرف والكرامة"، ولعله كان عزاءً للجماهير العربية أن ترى كيف أن العدالة الإلهية لا تتوانى عن رد المظالم، وإن تأخرت فإنها لا تنسى، وإن طال الزمن فإنها لا تمل من الانتظار حتى تأتي اللحظة المناسبة لتضرب بكل قوة، وكانت هذه المباراة النهائية خير دليل على أن الأيام دول، وأنه كما أُخذ من المنتخب المصري حقه في مباراة سابقة، فقد أُعطي الحق لأهل الأندلس في مباراة لاحقة، وكأن الكارما الكروية قد ضربت بجذورها في عمق هذه البطولة لتكتب نهايتها بما يليق بتاريخ الكرة النظيفة.
ووسط هذا الزخم من الأحداث المتلاحقة والمشاعر المتضاربة، لم تكن مباراة إسبانيا والأرجنتين مجرد مباراة كروية عابرة، بل كانت نهائياً من طرف واحد، كما وصفها المتابعون والمحللون، بل كانت معركة حضارية بين مدرستين متباينتين، مدرسة العقل الجمعي والتنظيم الهندسي بقيادة المدرب العبقري لويس دي لا فوينتي، ومدرسة الفردية المتوارثة والاعتماد على الأسماء البراقة بقيادة المدرب الأرجنتيني المتعجرف ليونيل سكالوني الذي ظن أن ألقابه السابقة كافية لإرباك خصمه، لكنه فوجئ بمدرب يعرف كيف يقرأ المباريات ككتاب مفتوح ويحول الملعب إلى سجن ذهبي لنجومه، وما إن دارت عجلة المباراة حتى بدا الفارق شاسعاً كالبعد بين الأندلس وبوينس آيرس، فقد أدرك دي لا فوينتي منذ الدقائق الأولى أن مفتاح الفوز لا يكمن في مجاراة الأرجنتين في اندفاعها الهجومي المعهود، بل في اختناقها في منتصف الملعب وتحويل أرضية الميدان إلى سجن ذهبي يحد من تحركات نجومها، فخطّط لسيناريو محكم قوامه تضييق المساحات كالقفص الحديدي، حيث اعتمد على تقليص المسافات بين الخطوط الثلاثة إلى أقل من خمسة وعشرين متراً، فتحول الملعب إلى غرفة ضيقة لا تتسع لعبقرية ميسي ولا لرشاقة دي ماريا، وأصبح كل لاعب أرجنتيني يلمس الكرة وهو محاط بثلاثي إسباني كالأسوار المنصوبة، إلى جانب الضغط المتواصل بلا هوادة الذي مارسه الإسبان بشكل ارتدادي بعد فقدان الكرة خلال ثلاث إلى خمس ثوانٍ فقط، ليس ضغطاً فردياً فوضوياً، بل ضغطاً منظماً كالموجات المتتالية على شواطئ الأندلس، مما أجبر الأرجنتين على ارتكاب الأخطاء الفادحة في بناء الهجمات، وتحويل كرياتهم إلى مجرد تمريرات خلفية مأزومة تعكس حالة الارتباك التي أصابت خط وسطهم الذي أصبح أشبه بمتفرجين على هامش المباراة، وكأن كل لاعب إسباني كان يلعب بعشرة لاعبين في آن واحد، بينما كان الأرجنتينيون يركضون كالدجاج المذبوح دون هدف أو خطة واضحة، وكانت نظرات سكالوني المتغيرة من الثقة إلى الذهول ثم إلى الإحباط خير دليل على أن خطته قد انهارت قبل أن تبدأ، وأن غطرسته الكروية قد كسرتها عبقرية مدرب يعرف كيف يضع الأصابع على الجروح.
ولم يكن الاستحواذ الإسباني الذي بلغ ثمانية وستين بالمئة مجرد رفاهية إحصائية أو مظهراً جمالياً، بل كان سلاحاً دفاعياً وهجومياً معاً، فالتمسك بالكرة أبعد خطر الهجمات المرتدة الأرجنتينية السريعة التي كانت تشكل خطراً دائماً على مرمى الحارس أوناي سيمون، وأرهق كبار الخصم الذين فقدوا أنفاسهم في المطاردات العقيمة خلف ظلال الكرة، كما أن بناء الهجمة من الخلف كان أحد أبرز تجليات التفوق التكتيكي الإسباني، حيث لعب حارس المرمى دوراً محورياً ليس كحارس فقط، بل كمفكر يبدأ الهجمة من الخلف بتمريرات أرضية قصيرة ودقيقة إلى قلبي الدفاع، ثم انطلاق الأظهرة في المساحات الطرفية، لتتحول الكرة تدريجياً إلى الأمام بتمريرات متتالية مترابطة كمن يبني صرحاً من الطوب حجراً حجراً، بينما كان الأرجنتينيون يركضون كالمتاهين خلف السراب، وهذه الفلسفة أثبتت أن كرة القدم ليست لعبة عشوائية تعتمد على الارتجال، بل هندسة تحرّك وفن إيقاع وسيمفونية تنسيقية لا تعرف الفوضى، فكان الإسبان كأوركسترا متكاملة تعزف سيمفونية واحدة بآلات مختلفة، بينما كان الخصم يعزف منفرداً بأدوات متفرقة لا تجمعها نغمة واحدة، وكأنما دي لا فوينتي قد أتى بكتاب من السماء يحوي كل أسرار التكتيك الكروي الحديث، بينما بقي سكالوني المتعجرف يتلمس طريقه في الظلام كما يفعل الأعمى، يلهث وراء حلول لم تأتِ، ويغير خططه دون جدوى، وكأن عقله قد توقف عند ألقابه القديمة ولم يستطع مجاراة ذكاء خصمه الذي كان يرى الملعب من زواياه كلها بينما هو لا يرى سوى غروره.
وفي قلب هذه السيمفونية المتقنة، برز ثنائيا الوسط رودري وبيدري مع فابيان رويز كمثلث ذهبي اجترحوا من فنون التمرير ما جعل لاعبَي وسط الأرجنتين دي بول وماك أليستر يبدوان كغريقين يبحثان عن متنفس في عرض بحر هائج، فقد بلغت نسبة دقة التمريرات في وسط الملعب للميتادور الأسباني ٦٨ بالمئة، مقابل ٣٢ بالمئة فقط للأرجنتين، مما يعني أن الإسبان لم يكونوا يلعبون كرة قدم فحسب، بل كانوا يعيدون تعريف معنى السيطرة على إيقاع المباراة ومنحها النبض الذي يريدونه، وكأنهم يتحكمون في ساعة المباراة كما يتحكم قائد الأوركسترا في إيقاع الموسيقى، بينما كان الأرجنتينيون يلهثون خلف إيقاع لا يملكون مفاتيحه ولا يعرفون قواعده، أما النجم الصاعد يمين يامال فكان بمثابة الخنجر الأندلسي الذي غرزه المدرب في خاصرة الأرجنتين اليمنى، حيث استغل المساحات بين ظهير الأرجنتين وجناحه، ومارس عليه ضغطاً نفسياً وجسدياً لم يتحمله دفاع التانجو، ولم يكتفِ بالمراوغات الساحرة التي أذهلت المتابعين، بل فهم متى يمرر ومتى يسدد ومتى يسحب الدفاع ليفتح ثغرات لزملائه، مما جعله رجلاً واحداً يلعب بأربعة أدوار، وكأنه يجمع بين فنون إنييستا في الرؤية الثاقبة، وميسي في الالتفاف الخاطف، ورونالدو في إنهاء الهجمات القاتل، فكان كالشاعر الذي يكتب أبياته على أرض الملعب بكلمات من كرة وجري وإبداع لا حدود له، وكان كل من رآه يتأكد أن كرة القدم عندما تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت وطأة المافيا والمراهنات، يأتي أبناء الأندلس ليعيدوا إليها الروح من جديد، وحين كان يمر من على ميسي كان الأخير ينظر إليه بعينين مذهولتين، وكأنه يرى شبح شبابه الضائع يمر أمامه بسرعة الضوء، فلا يستطيع مجاراته ولا حتى الاقتراب منه.
ورغم الانشغال الهجومي الكبير، لم ينس الإسبان واجباتهم الدفاعية، فظهر خط دفاعهم كجدار غرناطة المنيع المتراص لا ينفذ، بفضل التحكم في العمق وتغطية المساحات الخلفية بدقة متناهية، مما حال دون استغلال سرعة مهاجمي الأرجنتين في الارتدادات الخطيرة، وإذا كان دفاع الأرجنتين يعتمد على الأسماء والخبرة المكتسبة مع تقدم العمر، فقد اعتمد دفاع إسبانيا على التنظيم والانسجام الجماعي وكأن كل مدافع يقرأ نية المهاجم قبل أن تفكر قدماه في التحرك، وهذا الترابط الدفاعي جعل الهجمات الأرجنتينية تنكسر كالأمواج على صخور الأندلس الصلبة، فلا ميسي ولا دي ماريا ولا ألفاريز استطاعوا اختراق تلك التحصينات المنظمة التي أذاقتهم مرارة العجز والإحباط، وجعلتهم يندفعون خلف الكرة كمن يبحث عن سراب في صحراء قاحلة، في مشهد يذكرنا بحكايات الأندلس حين كان الفرسان يقفون صفاً واحداً أمام غزاة لا يملكون من الأمر شيئاً سوى الغطرسة والغرور، وقد تجلى الفرق الشاسع بين المنتخبين في الكيفية التي تعامل بها كل فريق مع الكرة، فالإسبان كانوا يعاملونها كجوهرة ثمينة يمررونها بدقة الماس، بينما كان الأرجنتينيون يعاملونها كجمرة ساخنة يتخلصون منها بأسرع وقت، وهذا الفرق الفلسفي في التعامل مع الساحرة المستديرة كان كفيلاً بإحداث الفارق الكبير في مجريات المباراة، لكن يبقى أن نذكر أن حارس مرمى الأرجنتين إميليانو مارتينيز كان بمثابة الجدار الوحيد الذي وقف أمام طوفان إسبانيا الهجومي، فتصدياته الخارقة كانت تمنع إسبانيا من تسجيل نصف دستة أهداف على الأقل، وكأنه كان يحاول لوحده إنقاذ سفينة تغرق وسط عاصفة عنيفة، لكن البحر كان أقوى من أي مجداف، والعاصفة الأندلسية كانت أعتى من أي تصدٍ مهما كان خارقاً، فلم يستطع الحارس المنفرد أن يقف أمام زحف الكتيبة الإسبانية التي كانت تأتي من كل اتجاه، وكأن الأمواج تتكسر على صخرة وحيدة في عرض المحيط، لكن الصخرة وإن صمدت طويلاً فإنها في النهاية تغرق تحت وطأة الأمواج المتلاحقة، وهذا ما حدث بالضبط عندما جاء الهدف القاتل في الشوط الإضافي الرابع، ليكون تتويجاً لهيمنة شاملة استحال معها على حارس الأرجنتين أن يصمد أكثر مما صمد، وقد ظهر على ملامحه الإرهاق واليأس بعد أن كان وحده يقاتل جيشاً بأكمله، بينما كان زملاؤه يتفرجون على الهول الذي حل بهم من كل صوب وحدب.
وهنا يقال: شتان بين منتخبٍ يلعب على الفوز من أول دقيقة هو المنتخب الإسباني، ومنتخبِ التانجو الذي يعتمد على حارسه فقط إميليانو مارتينيز، فالأول جاء بجيشٍ كاملٍ من المبدعين، والثاني جاء بحارسٍ واحدٍ ومجموعةٍ من المتفرجين الذين تاهوا في دهاليز الملعب، فلا خطة ولا تنظيم ولا روح قتالية، وكل ما كان يجمِّل صورتهم الخادعة تلك التصديات الخارقة التي أخفت جزءاً من الفضيحة، لكنها لم تستطع إخفاء الحقيقة الأكبر: أن كرة القدم تلعب بأحد عشر لاعباً، لا بحارسٍ واحدٍ يحاول إصلاح ما أفسده عشرةٌ غارقون في الوهم والغرور، وبين هذا وذاك تتجلى المقارنة التي لا تحتاج إلى فيلسوف، بل تحتاج إلى عينٍ ترى ما لا يريد الأرجنتينيون رؤيته، وإلى ضميرٍ يعرف أن العدالة الكروية قد جاءت أخيراً لتضع كل شيء في نصابه الصحيح.
لقد أبدع دي لا فوينتي في قراءة المباراة ككتاب مفتوح، حيث أفسد خطط سكالوني المتعجرف التي كانت تقوم على إفساد تماسك إسبانيا عبر الضغط على حامل الكرة، فكان رده سريعاً وحاسماً بجعل فريقه يلعب بثلاثة لاعبين في الوسط يتحركون كخلية نحل واحدة، أغلقوا كل منافذ التمرير أمام الأرجنتين، فتحول خط وسطهم إلى مجرد متفرجين يبحثون عن الكرة في مناطق لا وجود لها، كما اعتمد على استراتيجية الضغط بعد فقدان الكرة في أقل من ثلاث ثوانٍ، فلم يمنح لاعبي الأرجنتين فرصة التنفس أو الاستدارة، وكأن كل لاعب إسباني كان يلعب في موقفين دفاعياً وهجومياً في آن واحد، مما أربك حسابات سكالوني الذي ظن أن كباره قادرون على كسر هذا الضغط بالخبرة والنجومية، لكن الخبرة وحدها لا تصمد أمام سرعة الضغط الجماعي المنظم، وحين أدرك سكالوني حجم الكارثة كان قد فات الأوان، لأن الأعمار الكبيرة لا تتعافى بسرعة، والأنفاس المفقودة لا تعود بتغيير بسيط في الخطة، فقد كان الإسبان يلعبون بعقولهم قبل أقدامهم، بينما كان الأرجنتينيون يلعبون بأقدامهم فقط، وأقدامهم تلك كانت قد شاخت ووهنت وضعفت أمام الشباب المتدفق والخبرة الفتية التي تمتلك من الحماس ما يملأ المدرجات ومن العقل ما يملأ الكتب، لقد كان الإسبان يزرعون بذور الفوز منذ الدقيقة الأولى، صبراً وتمريراً وضغطاً واستحواذاً، حتى إذا ما استسلمت أجساد الخصم في الشوط الإضافي الرابع جاء الحصاد الذي طال انتظاره، فجاء الهدف كالتتويج الطبيعي لهيمنة شاملة استمرت عشرين دقيقة كاملة، لم تكن صدفة ولا طفرة، بل ثمرة جهد تراكمي وبناء متقن منذ صافرة البداية حتى آخر نفس في المباراة، وكأن القدر أراد أن يمنح الجمال حقه بعد أن طال انتظاره على مقاعد النسيان، وأن يكتب للأندلس انتصاراً جديداً يضاف إلى سجل أمجادها التي لا تنتهي، بينما يبقى التانجو يتألم في صمت، يتساءل كيف لعبقه ميسي أن يُهزم بهذه السهولة على يد فريق يكتسحه في نهائي من طرف واحد، ويتساءل أيضاً كيف لم تأتِ ركلة الجزاء المعتادة التي كانت تنقذه في كل مباراة، وكيف تحول الحكم إلى عدو لدود بدلاً من أن يكون حليفاً كعادته، وكيف انقلبت الأدوار وانكشفت الحقيقة المرة التي طالما حاولوا إخفاءها عن العالم بأسره، وكيف أن حارسه العظيم إميليانو مارتينيز الذي أنقذهم من مذلة أكبر لم يستطع أن يفعل المستحيل أمام هذا الجيش الأندلسي العظيم، وكيف أن مدربه المتعجرف سكالوني وقف مذهولاً على خط التماس لا يدري كيف يوقف هذا السيل الجارف من الإبداع الإسباني الذي لم يترك له فرصة حتى للاحتماء بغطرسته المعتادة.
لقد كانت هذه المباراة أكثر من مجرد نهائي كروي عابر، كانت بياناً كروياً واضحاً بأن الجمال لا ينتصر دائماً، لكنه حين ينتصر يكون انتصاراً مدوياً يزلزل الأرض، أثبتت إسبانيا أن الكرة ليست صفقات أو مافيا أو مؤامرات تحكيمية خفية، بل هي عقل وتكتيك وانضباط وأخلاق وإصرار على تقديم فن يليق بتاريخ الأندلس وحضارتها العريقة التي أنارت العالم يوماً، فبالأمس علمت قرطبة العالم فنون المعمار والعلوم والآداب، واليوم علمت إسبانيا العالم كيف تلعب كرة القدم: بكرامة وبصبر وبعقل لا يخضع لأهواء التحكيم ولا لمكائد المافيا ولا لصفقات المراهنات، علمتهم أن الكرة ليست لعبة أسماء بل لعبة أنظمة، ليست غروراً بل تواضعاً، ليست فردية بل جماعة، ليست صراخاً وتهليلاً فارغاً بل عملاً صامتاً ومتقناً، لقد علّم فرسان إشبيلية وغرناطة وقرطبة خصمهم درساً لن ينساه التاريخ، درساً في أبجديات الكرة التي يبدو أن التانجو قد نسيها مع تقدمه في العمر واغتراره ببطولاته السابقة، درساً مفاده أن الكرة تأكل من لا يأكلها، وأن من يتوقف عن التعلم والتجديد يموت على أرض الملعب قبل أن تنتهي المباراة، وهذا بالضبط ما حدث مع الأرجنتين التي بدت كشيخ هرم يحاول استعادة شبابه لكن أرجلَه خانته وأنفاسه خذلته وخططه تخاذلت أمام عقلية شابة متقدة وروح أندلسية أبَوية لم تستسلم يوماً للظلم ولن تستسلم، فكانت النتيجة عادلة ومنطقية رغم تأخر الإسبان في إحراز الهدف حتى الشوط الرابع الإضافي، لكنهم ظلوا صامدين مؤمنين بأن النصر حليف الصابرين، وبأن العدالة وإن تأخرت فإنها لا تضيع.
واأسفاه على كل من راهن على ظلمه وتجبره، وااسفاه على أبو نطة وأبو قفا من هذا النموذج المعجز الذي أتى على كل ما بنوه من أوهام ومخططات، وسحق أصنام المافيا والمراهنات تحت أقدام فرسان الأندلس وعدالة حكمها الذي لم ينحنِ، فكأس العالم 2026 انتهى نهاية مشرفة حقاً بمباراته الأخيرة التي لم تكن مجرد مباراة، بل كانت محاكمة كروية شاملة لكل من آثر الباطل على الحق، واختار الغش على النزاهة، وفضل المال على الضمير، إذ فاز من يستحق اللقب عن جدارة واستحقاق، أما الننوس المدلل الذي رفعته المافيا على أكتافها وعلى رأسهم ميسي الذي ظن أن اسمه وحده كافٍ لإرهاب الخصوم، فخرج من الباب الخلفي لا يلوون على شيء ولا يلتفتون إلى أحد، وكان خروجهم مذلاً مثيراً للسخرية، لأنهم ظنوا أن الأسماء تصنع الانتصارات، وأن التحكيم المختل كافٍ لقلب الموازين، فإذا بالعدالة تأبى إلا أن تنتصر في النهاية، وتؤكد للجميع أن التاريخ لا يُصنع بالغش، وأن البطولات لا تُربح في غرف الفيفا المغلقة، بل تُربح على أرض الملعب بالعرق والجهد والنزاهة، وبأن تكون اللعبة كما أراد لها مؤسسوها أن تكون: لعبة شرف قبل أن تكون لعبة أقدام، وهكذا انتصر الأندلسي على المزيّف، وانكشفت الحقيقة التي طالما حاول البعض طمسها، وارتفع صوت الحق ليقول للعالم بأسره: "مهما طال الظلم، فإن العدالة آتية لا محالة، وإن تعثرت اليوم فإنها ستصل غداً، وإن تأخرت في مباراة فإنها ستقتحم النهائي بقوة لتقول كلمتها الأخيرة"، وكان خروج ميسي وصحبه خروجاً لا يليق بتاريخهم المزعوم، فقد بدوا كمن فقدوا بوصلتهم وسط بحر من الإبداع الإسباني، وكأن كل ما بنوه من أساطير قد تحطم في ليلة واحدة على يد فرسان الأندلس الذين لم يكتفوا بالفوز، بل علموهم درساً في التواضع والكرامة، بينما ظل حارس الأرجنتين إميليانو مارتينيز وحده يرفع رأسه عالياً بعد أن أدى ما عليه، لكنه كان كالجندي الوحيد في معركة خاسرة، يقاتل بشجاعة لكنه لا يستطيع تغيير مجرى التاريخ الذي كان قد كُتب منذ الدقيقة الأولى لمصلحة أهل الأندلس وأبنائها المخلصين.

فوداعاً يا مافيا المونديالات ولصوص الأحلام، وداعاً يا من راهنتم على سفاهة النجيلة بلا فم، هنيئاً للأندلس الأبية بهذا البطل الجديد، وهنيئاً للمنتخب الإسباني الذي رفع راية النزاهة عالياً وكتب بحبر النصر تاريخاً جديداً، وهنيئاً لـيمين يامال ورفاقه الذين أثبتوا أن كرة القدم ما زالت تحتفظ ببعض من سحرها وجمالها وعدالتها، وأن الفن لا يموت ولا يهرم، بل يتجدد مع كل جيل يحمل راية الإبداع ويؤمن أن اللعبة الجميلة تستحق من يحافظ على جوهرها النقي بعيداً عن دنس المافيا، لقد أظهرت هذه الكتيبة الأندلسية الفتية أن المستقبل لمن يستحق، وأن النصر حليف الصابرين والمتقنين والمخلصين لفنهم وقضيتهم، فما أجملك يا كرة الأندلس حين تكونين جميلة ونظيفة وعادلة، وما أجمل النصر حين يأتي متأخراً لكنه يأتي كما يجب أن يأتي: مستحقاً، مبهجاً، محطماً للأصنام، كاسراً للمراهنات، ومعيداً للروح للعبة كنا نظن أنها فقدت بريقها إلى الأبد، وفي هذا الفوز العظيم درس لكل من يظن أن المال والسطوة والمافيا قادرة على شراء البطولات، فالكرامة ليست للبيع، والفن ليس بالصفقات، والأندلس تبقى أبية شامخة رغم كل المؤامرات، وستظل كرة القدم لعبة عقل وقلب قبل أن تكون لعبة أرجل، وهذا ما أثبته الإسبان الليلة أمام العالم أجمع، فشكراً لهم على هذه المتعة وهذا الدرس وهذا النصر الذي سيبقى في الذاكرة طويلاً طويلاً، وشكراً لأرواح قرطبة وغرناطة وإشبيلية التي حلت في الملعب لتلعب بأقدام هؤلاء الفرسان الصغار، وكتبت بأحرف من نور سطراً جديداً في كتاب الكرة الجميلة، كما نقول لكل من ظلم وظن أن الأرض ستسكن له: لقد جاء اليوم الذي أظهرت فيه العدالة أنفها، وأثبتت أن كرة القدم ليست ملكاً لأحد، وأن البطولات الحقيقية لا تُشترى بالمال ولا تُربح بالمؤامرات، بل تُنتزع بالعرق والجهد والإخلاص، وهذا ما فعلته إسبانيا الليلة، وهذا ما سيبقى محفوراً في ذاكرة كل من شاهد هذه المباراة الخالدة، ودمتم بخير يا أبناء الأندلس، ودمتم أعلاماً للجمال والنزاهة في عالم بات يفتقد إلى كل جميل.