A A A
أحمد الشربيني

أحمد الشربيني

في صباح أحد أيام الإسكندرية عام 1899، ولد طفلٌ لم يكن أحد ليعلم أنه سيصبح يوماً “أباً روحياً” للكرة المصرية، وأن اسمه سيخلد في سجلات التاريخ الرياضي كأحد أعظم الرجال الذين مهدوا الطريق لمصر لتكون قبلة الكرة في الشرق الأوسط.اضافة اعلان

إنه محمود بدر الدين، ذلك العبقري متعدد المواهب الذي جمع بين الهندسة والتدريس الجامعي والتحكيم والتعليق والإدارة، وأسس لدولة كروية متكاملة. تخرج في مدرسة الهندسة عام 1922 حاملاً شهادة تؤهله لأرقى المناصب، ليعمل أستاذاً في كلية الفنون التطبيقية، لكن قلبه كان يخفق في مكان آخر، على ملاعب كرة القدم التي كانت تجذبه كالمغناطيس.

لقد كان أمامه طريق أكاديمي ناجح، لكنه اختار طريقاً آخر صنع من خلاله تاريخاً لا يزال حاضراً حتى اليوم.

بدأ حياته الرياضية كلاعب، وتحديداً كحارس مرمى، وهي المهمة التي تتطلب شجاعة وحساً عالياً بالمكان، صفات كانت متأصلة في شخصيته، وتنقل بين قطبي الكرة المصرية؛ لعب للنادي الأهلي ثم انتقل إلى نادي الزمالك، وكأن القدر كان يعدّه لدور أكبر من مجرد اللعب، دور يجمع بين القطبين ويوحد الجماهير تحت راية الكرة المصرية.

فلم يكن وجوده داخل الملعب سوى بداية لمسيرة رجل كان مقدراً له أن يترك بصمة أكبر خارج المستطيل الأخضر.

ولكن موهبته الحقيقية لم تكتمل إلا عندما اتجه إلى التحكيم، وهناك وجد ضالته وأصبح من أفضل الحكام في مصر والعالم العربي، حيث كان - رحمه الله - يتميز بلياقته العالية ورؤيته الثاقبة التي أهلته لأن يكون صوت الحق في الملعب.

وهكذا انتقل بدر الدين من دور اللاعب إلى دور صاحب القرار، ليبدأ مرحلة جديدة من التأثير في مسيرة الكرة المصرية.

وفي عام 1946، اتخذ بدر الدين قراراً جريئاً وغير مسبوق؛ حيث ترك منصبه كأستاذ جامعي ليتفرغ تماماً للرياضة، تلك الخطوة لم تكن مجرد تغيير مهني، بل كانت إعلاناً عن ميلاد عصر جديد للكرة المصرية، حيث وضع رجل واحد كل ثقله العلمي والإداري في خدمة اللعبة الشعبية الأولى.

كان القرار بمثابة نقطة تحول، بعدما اختار أن يجعل من خبراته العلمية والإدارية وقوداً للنهوض بالرياضة المصرية.

ولم يكن بدر الدين مجرد إداري ناجح، بل كان مهندساً للنجاح في كل منصب يتولاه، فعندما أصبح سكرتيراً عاماً لاتحاد الكرة، وجد الفوضى تعم أرجاء المؤسسة حيث لم تكن هناك سجلات منظمة للحسابات أو قوائم معتمدة لأسماء الأندية أو الحكام.

وهنا لم يتردد الإذاعي الكبير في تقديم استقالته وإعادة تعريف دوره كمدير متفرغ للاتحاد براتب شهري قدره 50 جنيهًا، وأعلن استغناء الاتحاد عن المعونة السنوية من وزارة الشؤون الاجتماعية، متعهداً بأن الكرة المصرية قادرة على تمويل نفسها بنفسها.

لم يكن هدفه إدارة واقع قائم، بل بناء مؤسسة رياضية حديثة تقوم على النظام والاستقلالية.

أما أعظم إنجازاته فكان حلماً راوده لسنوات طوال، حيث خطرت له فكرة إنشاء دوري عام منتظم للكرة المصرية، أسوة بالدول الأوروبية، ليزيد من روح المنافسة ويحسن المستوى ويدر إيرادات تعود بالنفع على الأندية.

وكانت الفكرة جريئة في وقت كانت المسابقات تقام بشكل عشوائي ومتقطع، فبدأ حملته في عام 1946 عبر مقالاته الصحفية في جريدة “الأساس”، وفي البداية واجه هجوماً عنيفاً من نقاد الرياضة وعلى رأسهم إبراهيم علام “جهينة”، لكن إيمانه بفكرته كان أقوى من كل الاعتراضات.

فقد آمن بدر الدين بأن تطوير الكرة المصرية لن يأتي بالحلول المؤقتة، بل ببناء نظام مستمر يضمن التطور والمنافسة


فاستمر في حملته حتى نجح في إقناع الفريق محمد حيدر باشا رئيس اتحاد الكرة ورئيس نادي الزمالك في آن واحد بعرض الفكرة على الملك فاروق نفسه الذي وافق عليها، وفي 22 أكتوبر 1948 انطلق أول موسم للدوري العام المصري بمشاركة 11 فريقاً من القاهرة والإسكندرية والقناة، ليصبح أعظم مسابقة كروية في مصر والشرق الأوسط بأكمله.

وهكذا تحولت فكرة كانت تبدو صعبة التحقيق إلى واقع غيّر شكل كرة القدم المصرية، وأصبح الدوري العام أحد أهم علامات تطور اللعبة في المنطقة.

وإلى جانب كل هذه الإنجازات الإدارية، كان بدر الدين أول من أدخل التعليق الرياضي إلى الإذاعة المصرية في منتصف الأربعينيات، فكان صوته الدافئ المعبر هو النافذة التي كان يطل منها ملايين المصريين على عالم كرة القدم.

وقد جعل أسلوبه العبقري في وصف المباريات المستمعين يعيشون أحداثها كأنهم في الملعب، مما ضاعف من شعبية اللعبة وجعل كرة القدم جزءاً لا يتجزأ من الثقافة المصرية.

ومن ثم أسس لمدرسة في التعليق الرياضي تقوم على الدقة العلمية والوصف الشيق، أثرت في أجيال من المعلقين الذين حملوا رايته واستكملوا مسيرته من بعده.

فلم يكن بدر الدين مجرد معلق ينقل الأحداث، بل كان شريكاً في صناعة شعبية كرة القدم وترسيخ مكانتها لدى الجماهير.

وفي عام 1955، وبينما كان في مهمة رياضية في روما، تعرضت الطائرة التي تقله لحادث مروع، لتنتهي حياة هذا الرجل العظيم، لكن إرثه ظل خالداً في كل زاوية من زوايا الكرة المصرية، في تنظيمها ونظام مسابقاتها وإدارتها وطريقة متابعتها.

فهو الرجل الذي لم تكن الكرة بالنسبة له مجرد لعبة، بل كانت قضية حياة كرس لها علمه وإدارته وموهبته.

رحل محمود بدر الدين جسداً، لكن أفكاره ومشروعاته ظلت حاضرة في تاريخ الكرة المصرية، شاهدة على قيمة ما قدمه للعبة.

ويمكن استخلاص دروس عظيمة من حياة هذا العلم الرياضي يستفيد بها الإداريون والمعلقون المحدثون، فمنها أن الإخلاص والتفاني يأتيان قبل المال، فقد ترك بدر الدين منصباً جامعياً مرموقاً ليتفرغ للكرة براتب متواضع، وتخلى عن معونة الوزارة مؤكداً أن الكرة قادرة على تمويل نفسها.

ومنها أن مواجهة النقاد تكون بالعمل لا بالجدال، فلم يدخل في معارك صحفية عقيمة عندما هاجمه النقاد بسبب فكرة الدوري العام، بل واصل حملته بهدوء وإصرار حتى أثبت للجميع صحة رؤيته.

وهذه المواقف تؤكد أن أصحاب الرؤية الحقيقية لا تقف أمامهم الانتقادات، طالما كانوا يؤمنون بأهدافهم ويسعون لتحقيقها.

ومن دروس مسيرته أيضاً أن التنظيم يبدأ بالسجلات، فكان أول ما فعله عندما تولى اتحاد الكرة هو وضع سجلات منظمة للحسابات والأندية والحكام، ومنها أن المعلق الناجح يضاعف شعبية اللعبة، فقد جعل أسلوب بدر الدين الوصاف الملايين يعشقون كرة القدم من خلال الإذاعة فقط.

ولعل تلك السمة هي التي تجعل بعض المشجعين المصريين يميلون إلى بعض المعلقين العرب التونسيين والجزائريين في حين يعرضون عن الاستماع للمعلقين المصريين، وهذا راجع إلى افتقاد بعض معلقينا المعاصرين لأساسيات التعليق الرياضي بشكل علمي ومنهجي.

فالتعليق الرياضي ليس مجرد صوت مرتفع، بل هو علم وفن يحتاج إلى إعداد وثقافة وقدرة على صناعة المتعة للمشاهد والمستمع.

ومنها أيضاً أن الإدارة تحتاج إلى رؤية طويلة المدى، فلم يفكر في بطولة عابرة بل في دوري عام مستدام يغير وجه الكرة المصرية للأبد، ومنها أن الجمع بين العلم والممارسة يمنح رؤية شاملة، فكان أستاذاً جامعياً وحكماً ومعلقاً وإدارياً في آن واحد، مما أثرى أداءه ومنحه نظرة متكاملة للكرة من كل زواياها.

وهنا تظهر عبقرية بدر الدين، الذي جمع بين مختلف عناصر اللعبة ليقدم نموذجاً نادراً للمسؤول الرياضي صاحب الفكر المتكامل.

هكذا كان محمود بدر الدين، مدرسة متكاملة في العشق الكروي والإدارة العبقرية، تظل دروسه نبراساً لكل من يعمل في حقل كرة القدم حتى يومنا هذا، وتبقى سيرته العطرة شاهدة على أن الرجل الواحد بإخلاصه ورؤيته يمكنه أن يصنع تاريخاً كروياً يخلد ذكره للأبد