1- الإعلامي بين الانتماء وبريق العطاء:
في معادلة الإعلام الرياضي المعاصر، يبدو أن خطًا رفيعًا – بل ومشوَّهًا أحيانًا – يفصل بين «النخوة الوطنية» في الدفاع عن البلاد، و«الخنوع المهني» المتلبس بثوب الحياد الزائف. تُطرح أسئلة محورية تمس جوهر المهنة: متى يتحول الدفاع المشروع عن الكرامة الوطنية إلى «فتنة» في الخطاب الإعلامي المسطّح؟ ومن أعطى صلاحية اختزال الرد القوي المحترم على الاستفزاز والازدراء في مصطلح تخويفي يجرّم الانتماء؟
اضافة اعلان
يبدو أن هناك معايير ملتبسة تُطبَّق بشكل انتقائي، حيث يُتوقَّع من الإعلامي أن يكون «محايدًا» حتى عندما يُمس شرفه وكرامة بلده، في عملية مصادرة فجّة للحق في الرد.
المشهد الأخير من ستوديو «بي إن سبورت» خير مثال على هذا الالتباس. فبعد حادثة وائل جمعة السابقة وما تلاها من مواقف، جاءت اللحظة الأكثر إرباكًا. حين هتف جمهور مغربي، عبر شاشة المراسل، بشكل جماعي ضد منتخب مصر ولاعبيه، متمنين الفوز لنيجيريا بثلاثية، في مشهد جماعي خالٍ من أي كلمة طيبة تجاه الطرف الآخر.
لم يكن هذا مجرد تشجيع لفريق، بل كان إعلانًا عدائيًا صريحًا. وصول هذا المشهد إلى الأستوديو واستقباله من مقدم البرنامج أحمد فؤاد بعبارة: «شوف الأجواء الجماهيرية الرائعة!» هو لحظة تحتاج إلى وقفة نقدية حادة. فمن الواجب المهني والأخلاقي، بل الوطني، وصف مثل هذا المشهد بأنه «مؤسف» أو «مستفز»، أو على الأقل تحليله بموضوعية تُظهر ما فيه من تجاوز. لكن الصيغة الإطرائية («رائعة») حوّلت الاستهجان الجماعي إلى مناسبة احتفالية، وهو تسطيح خطير للحدث وإفراغ للمشاعر المصرية المشروعة من أي شرعية.
ثم يأتي دور المعلق علي محمد علي ليكمل الصورة في برنامج آخر. فبدلًا من أن تبدأ التحليلات من نقطة الاعتداء الصريح على الكرامة المصرية، المتمثل في «صافرات الاستهزاء بالنشيد الوطني» – وهي نقطة سوداء بكل المقاييس الرياضية والأخلاقية – انطلق الخطاب بتركيز غير مبرر على هجوم عنيف على المدير الفني المصري حسام حسن، وكأنه الطرف المخطئ الوحيد في المعادلة.
يُنسى هنا، وبسهولة، رد فعل حسام حسن السابق على استفزازات جماهيرية، وكأن رد الفعل أصبح جريمة بينما الفعل الأصلي مُبرَّر. ويُطرح السؤال: أين نفس المقياس من تصريحات المدرب المغربي الركراكي؟ لقد جاء التدارك متأخرًا، بعد أن استنفد الخطاب طاقته في توجيه الاتهام.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بقوة: الغيرة على البلاد ليست فتنة، والدفاع عن الكرامة ليس استفزازًا. ما حدث في تلك الأجواء ليس «رائعًا»، بل مشهد مؤسف لكل من شارك فيه داخل الملعب وخارجه. دور الإعلامي الحقيقي ليس تزيين الواقع العدائي، ولا تحويل دفاع المدافع عن أرضه إلى تهمة. دوره أن يضع الأمور في نصابها: أن يُسمّي التجاوز تجاوزًا، ويحمي حق بلده في الاحترام، ويمارس نقدًا موضوعيًا لا يقع في فخ التبرير تحت شعارات «الحياد» المزيفة.
فالانتماء ليس عيبًا مهنيًا، بل هو الأساس الذي يبني عليه الإعلامي مصداقيته حين يدافع عن الحق دون اعتداء، وينتقد الخطأ دون خنوع. والخط الفاصل بينهما ليس «الفتنة»، بل هو مدى التزام الإعلامي بالحق والإنصاف والكرامة، لكل الأطراف، بدءًا من بلده.
2- أشقاء على خريطة ورقية!!!
ونترك إعلاميينا العاملين في القنوات العربية لنسلط الضوء على التعصب المغربي الموجَّه ضد الرياضة المصرية. ففي لحظة تكشف عن أزمة أخلاقية عميقة في عالم الكرة الأفريقية، تحوّل المؤتمر الصحفي لمباراة مصر ونيجيريا إلى مسرح للإذلال المقصود. فما بدا وكأنه مناسبة روتينية لتغطية مباراة كروية، تحوّل إلى هجوم منظم يستهدف كرامة المنتخب المصري ومدربه، في مشهد يذكّرنا بأن بعض المعارك تتجاوز أرض الملعب لتصل إلى قلب الهوية الوطنية.
لقد تجاوزت إدارة المؤتمر كل حدود الحياد والموضوعية. فتعيين منسق سنغالي لمؤتمر مباراة لا علاقة لبلده بها كان الإشارة الأولى لانعدام المصداقية. لكن الأسوأ كان في الممارسات الفعلية، ومنها رفض منح الصحفيين المصريين حق طرح الأسئلة، بينما مُنح الزملاء المغاربة حرية مطلقة حتى في تجاوز سياق المباراة المخصَّص لها المؤتمر. ولعل هذا التمييز الواضح لم يكن صدفة، بل كان جزءًا من خطة محكمة لتحويل المنصة الإعلامية إلى أداة للاستفزاز والإهانة.
بلغت الإهانة ذروتها عندما وجّه الصحفي المغربي سؤاله الاستفزازي لحسام حسن، متجاوزًا كل قواعد المهنية والأدب. سؤال لم يكن يهدف إلى الحصول على إجابة بقدر ما كان يهدف إلى الإذلال، متناسيًا أن الرجل الذي يحاول إهانته حقق كأس الأمم الأفريقية كلاعب أكثر مما حققه منتخب بلده في تاريخه الكروي كله. والمفارقة المرة أن بعض الأصوات المصرية انضمت إلى هذه الموجة من الشماتة، متناسين أن الإهانة الموجَّهة لحسام هي في جوهرها إهانة لكل مصري.
وفي وسط هذا المشهد المخزي، برز موقف نبيل للصحفيين المصريين المرافقين للمنتخب، الذين قرروا الانسحاب الجماعي من المؤتمر رفضًا لاستكمال مشهد الإهانة. هذا القرار، وإن لم يحظَ بالتغطية الإعلامية التي يستحقها، سيظل شاهدًا على أن كرامة الوطن يجب أن تعلو فوق كل اعتبار، وأن هناك خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها حتى في خضم الخلافات الرياضية.
لكن خلف كواليس هذه الإهانات العلنية، تتكشف ممارسات أخرى تدل على فساد منظم في التعامل مع المنتخب المصري. من تغيير حكام مباراة المغرب قبل 24 ساعة دون أسباب مقنعة، إلى توقيف اللاعبين المصريين فورًا لأسباب تافهة كمروان عطية وصلاح محسن، بينما يُغض الطرف عن مخالفات منتخبات أخرى، وصولًا إلى تعيين حكم مغربي لمباراة مصر ونيجيريا.
كل هذه الممارسات تشير إلى حملة ممنهجة لتهميش الكرة المصرية، تجد بيئة خصبة في فساد الإدارة الرياضية المصرية التي تفضّل تقديم الاعتذارات على المطالبة بالحقوق.
والمفارقة الأكثر إيلامًا تكمن في رد فعل الاتحاد المصري لكرة القدم، الذي بادر بإرسال خطاب اعتذار لفوزي لقجع، رئيس الاتحاد المغربي، عن تصريحات حسام حسن، بينما صمت عن كل الإهانات التي تعرض لها منتخب بلاده. هذا الموقف لا يعكس فقط عجزًا إداريًا، بل يكشف عن ثقافة دفاعية استسلامية تجعلنا نعتذر عن كلماتنا، بينما يُهانونا بأفعالهم وتنمّرهم وتغطرسهم. ثقافة تجعل من السيد أبو ريدة والوزير الفاضل رمزين للخنوع مقابل المكاسب الشخصية.
هذا المشهد بأكمله، بكل مآسيه وإهاناته، يجب أن يكون جرس إنذار يستيقظ عليه كل غيور على كرامة مصر. إنه يذكّرنا بأن المعركة الحقيقية ليست فقط على أرض الملعب، بل أيضًا في ساحات الإعلام والمؤتمرات وغرف صنع القرار. ويؤكد أن تضامننا كأمة يجب أن يتجاوز الخلافات الكروية والتفضيلات الشخصية، لأن الإهانة التي تُوجَّه لرموزنا الرياضية هي في النهاية إهانة لكل واحد منا.
مصر أم الدنيا تستحق منا أن نكون سندًا لها في المحن، لا شهود إثبات على إهانتها.
لذا نطالب سيادة الرئيس بتغيير المنظومة الكروية التي أثبتت فشلها عربيًا وأفريقيًا، وتغيير الوجوه المتسببة في هذا التخبط الذي جعل مصر تفقد ريادتها الرياضية إفريقيًا وعربيًا. فمصر دومًا ولّادة، وبها أصحاب الكفاءة والريادة، وكفانا نحس أشرف صبحي وضعف أبو ريدة.