A A A
احمد الشربيني

احمد الشربيني




في واحدة من أعنف ليالي المونديال وأكثرها دراماتيكية، والتي لن يمحوها الزمن من ذاكرة كل عشاق الساحرة المستديرة، خاض منتخبنا الوطني المصري معركة أسطورية أمام حامل اللقب الأرجنتين، كانت كفيلة وحدها أن تخلد هذا الجيل في قائمة عظماء كرة القدم العالمية، لولا أن تدخلت عناصر خارج الملعب لتسرق منا حلم التأهل التاريخي. ففي ليلة كانت الشمس فيها تغيب عن سماء أتلانتا تاركةً الظلم التحكيمي يملأ الأرجاء، قدم الفراعنة درساً في الكروية والروح القتالية، وأظهروا للعالم أنهم ليسوا مجرد فريق صغير، بل كتيبة هجومية تستحق الوقوف على منصة التتويج. لكن صافرة الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسير، التي كانت أشبه بطلقة رصاصة غادرة، أوقفت زحفنا نحو المجد، لتتحول المباراة من تألق كروي إلى فضيحة تحكيمية هزت أسس اللعبة.اضافة اعلان



وبينما كان الجميع يترقبون مراجعة تقنية الفيديو التي من شأنها أن تنصفنا، فجر الخبير التحكيمي المكسيكي فرناندو جيريرو، صاحب التجربة العريقة في غرف الفار بمونديال قطر 2022، قنبلة مدوية عندما أكد بكل ثقة أن إلغاء هدف مصر الصحيح كان "فضيحة تحكيمية متكاملة" لا يغطيها أي بروتوكول، ولا تبررها أي ذرة قانون كروي. إنها لحظة كشف فيها أحد أبناء المنظومة نفسها عن عورتها، وقدم لنا بطاقة عبور معنوية تليق بعبقرية لاعبي الفراعنة الذين أرهقوا نجوم الأرجنتين طوال تسعين دقيقة في واحدة من أروع المباريات التي جمعت بين عمالقة القارة السمراء ونجوم التانجو.



ولم تقف شهادة جيريرو عند حدود الإدانة السطحية، بل تعمقت في تشريح الآلية التي اتبعها طاقم التحكيم، وفضحت تناقضاً صارخاً لا يليق بمونديال بهذا الحجم. فالرجل الذي عمل في أكبر بطولات الفيفا، أوضح أن الحكم الفرنسي أمعن في التدقيق الوهمي لإلغاء هدف الفراعنة الثاني بحجة لامبالية هامشية، وكأنه يبحث عن أي شائبة تحت المجهر، بينما تجاهل في المقابل لقطة مماثلة تماماً في منطقة جزاء الأرجنتين، وكأن عينيه كانتا مغلقتين، وكأن تقنية الفيديو قد تعطلت فجأة عندما تعلق الأمر بمصلحة أساطير الكرة الأرجنتينية.

أليس هذا هو المشهد الأكثر إيلاماً لكل مشجع مصري؟ أليس هذا هو الدليل الساطع على أن المباراة كانت تُدار بمقاييس مزدوجة، حيث تُطبق القوانين بحذافيرها ضدنا، وتُغض الطرف عنها في صفوف الخصم؟


وهنا نأتي إلى التساؤل الأهم: لماذا كان الحكم الفرنسي في عجلة من أمره لإلغاء هدف الأمة المصرية، بينما كان يتلكأ ويتماطل عندما يتعلق الأمر بمراجعة أي لقطة لمصلحة الأرجنتين؟ لقد بدا وكأنه يركض خلف سيناريو مكتوب مسبقاً، وكأن صافرة البداية أطلقت معها تعليمات صامتة تقول: "لا لمصر، نعم للتانجو". ومع كل هجمة مرتدة مصرية خاطفة، كنا نرى التريث والتردد في غرفة الفار، لكننا لم نرَ نفس الحيادية عندما طالبنا بالحق في ركلات جزاء واضحة، أو عندما كان دفاع الأرجنتين يهرول خلف مهاجمينا بطريقة غير قانونية.
إن شهادة الخبير المكسيكي جيريرو ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي وثيقة إدانة دولية تمنح جيل الفراعنة براءة ذمة تاريخية، وتؤكد أن الخروج من المونديال لم يكن خروج المغلوب فنياً أو تكتيكياً، بل خروج الضحية التي صدمتها عربة التحكيم المغرضة. فهذا المنتخب، بقيادة كابتننا العظيم حسام حسن، قدّم عروضاً هجومية أخافت عمالقة العالم، وضاعف من مساحات التمرير، وأرهق دفاعات الأرجنتين التي ظلت طوال المباراة تلاحق تحركات مصطفى محمد وعمر مرموش ومحمود تريزيجيه وكأنهم أشباح لا تهدأ. لقد سيطرنا على الكرة، وفرضنا أسلوبنا، وبتنا قاب قوسين أو أدنى من قلب الطاولة على كل التوقعات، لولا أن تدخلت الإرادة التحكيمية لتسرق منا بهجة التأهل وتستبدلها بمرارة الفضيحة.


والآن، ومع تزايد الأصوات الدولية التي تنادي بمراجعة آليات التحكيم، ومع اعتراف أحد خبرائها السابقين بهذه "الجريمة الكروية"، يتأكد أن الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسير لم يغلق حسابه على إنستغرام هرباً من جماهير مصرية غاضبة، بل هرباً من حقيقة كانت ستطيح به وبسمعته أمام الرأي العام العالمي، لأنه أدرك أن الفضيحة التي شارك فيها لن تمر مرور الكرام.

لقد كان هروبه رقمياً اعترافاً ضمنياً بأنه كان جزءاً من مؤامرة تحكيمية استهدفت إجهاض طموحات منتخب كامل كان يستحق أن يكون بين الثمانية الكبار بجدارة واستحقاق.


وفي الختام، ورغم كل ما جرى، ورغم أننا خرجنا بنتيجة لا تعكس ما قدمناه فوق المستطيل الأخضر، إلا أننا خرجنا رافعي الرأس، متسلحين بثقة لا تتزعزع، ومشهد من الكرة المصرية الخلابة التي أبهرت الملايين. لقد نُحرنا تكتيكياً، لكننا عبرنا أخلاقياً، لأننا كنا الأفضل أداءً، والأكثر روحاً، والأجدر بالانتصار.

وستظل شهادة الخبير المكسيكي جيريرو شعلة من نور تكشف عورات الحكام، وتذكر العالم بأن الفراعنة قادرون على قهر المستحيل، وأن الظلم مهما طال، فإن الحقيقة الرياضية ستظل عصية على التزييف. رحم الله عقولنا الكروية، وتحيا مصر، وتحيا كرة القدم المصرية التي لا تعرف الاستسلام.