نعم، هذا هو مونديال العار، لكن الحقيقة أن الفضيحة تتكرر مرارًا وتكرارًا، وضمير الفيفا المغيب يغط في فساد عميق!!
فلا شيء يفضح انحدار الفيفا إلى مستنقع التجارة أكثر من حماية المنتخب الأرجنتيني، ذلك الكيان الذي حوّل بطولات العالم إلى مسرحٍ للتدليس السياسي، والتزوير التحكيمي، والإفلات الصارخ من العقاب. فبينما تُطبَّق القوانين بحذافيرها على صغار المنتخبات، يُسمَح للأرجنتين بأن ترتكب ما تشاء من تجاوزات، وتُغضّ الطرف عن جرائمها الكروية، لأنها في نظر الاتحاد الدولي مجرد “منتج ترويجي” يجب الحفاظ عليه بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو نزاهة اللعبة نفسها وكرامة الشعوب التي ترسل أبناءها لتلعب في ملعبٍ غير متكافئ. هذه الحقائق ليست نظريات مؤامرة، بل وقائع مسجلة في تاريخ المونديال، تكشف عن نمط ممنهج من الفساد يبدأ من غرف الملابس الديكتاتورية وصولاً إلى شاشات الفيديو المزوّرة.
اضافة اعلان
في كأس العالم 1978، لم تكن البطولة رياضةً على الإطلاق، بل كانت عملية غسيل رياضي لدماء الشعب الأرجنتيني الذي أراقه النظام العسكري الدموي بقيادة خورخي فيديلا، حين استغل استضافة المونديال لتبرير جرائمه التي راح ضحيتها ثلاثون ألف معارض سياسي، بينما كان المعتقلون يتعذبون في الزنزانات ويستمعون إلى هتافات الجماهير الأرجنتينية.
والقمة في فضيحة مباراة بيرو التي انتهت بـ6-0 الصادمة، حيث دخل فيديلا بنفسه إلى غرفة ملابس المنتخب البيروفي ومعه هنري كيسنجر، ليوجّه تهديدات مبطنة للاعبي بيرو، لتتبعها صفقة شملت شحن 35 ألف طن من القمح مجانًا، وقروضًا بمئة وخمسين مليون دولار، وتوريد أسلحة، مقابل الاستسلام المذل في الملعب. إنها جريمة كروية وسياسية بامتياز، لكن الفيفا ظل صامتًا، لأنه كان يدرك أن البطولة بحاجة إلى بطلٍ محليٍّ يملأ المدرجات ويُلهي الجماهير عن المجازر.
وفي مونديال 1986، جاءت “يد الله” لتؤكد أن الفيفا لا يحمي اللعبة، بل يحمي المنتج التسويقي الأبرز، دييغو مارادونا. لقد كانت يدًا واضحة، وهدفًا ملوثًا، احتسبه الحكم التونسي في غياب التكنولوجيا، لكن الفيفا لم يُلغِ الهدف، ولم يُعاقب الحكم، بل حوّل اللقطة إلى مادة ترويجية في أفلامه الوثائقية، مستغلًا إياها تجاريًا على حساب العدالة.
إنجلترا، التي كانت الابن العاق للفيفا بسبب شغب جماهيرها، أُسكت صوتها واعتُبرت عقوبتها الإلهية الرياضية، وكأن الاحتيال في الملعب أصبح مباحًا إذا كان ضد من لا تحبهم المنظومة. هذا ليس تحكيمًا، بل فساد يتخذ من الرياضة ستارًا لتمرير الأجندات.
وفي مونديال قطر 2022، تكرر السيناريو بوقاحة بالغة، حيث قدّم الحكم الإسباني أنطونيو لاهوز درسًا في التواطؤ الصارخ لحماية الأسطورة ميسي، فتغافل عن لمسه المتعمد للكرة بيده، والتي كانت تستوجب بطاقة صفراء، ولولا ذلك لحصل ميسي على إنذار ثانٍ في الدقيقة 101 وكان سيُطرد ويغيب عن نصف النهائي.
والأفظع أن لياندرو باريديس ارتكب عرقلة عنيفة، ثم سدد الكرة عمدًا بقوة تجاه دكة بدلاء هولندا، في سلوك عنيف يستوجب الطرد المباشر، لكن الحكم اكتفى ببطاقة صفراء وفضّل تهدئة الأجواء على تطبيق القانون.
ولم يكن تصريح المدرب الهولندي لويس فان غال بأن “كل شيء كان مدبرًا ليكون ميسي بطلًا” مجرد كلام، بل كان اعترافًا بواقع يفضح تدليس الفيفا.
أما في مونديال 2026 الحالي، فكانت مصر هي الضحية الجديدة للسياسة الأرجنتينية المدعومة تحكيميًا. ففي مباراة الفراعنة أمام حامل اللقب، ألغى الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسير هدفًا لمصطفى زيكو بعد الرجوع إلى الفيديو، بداعي خطأ من مروان عطية في بداية الهجمة، رغم أن بروتوكول تقنية الفيديو له تفاصيل محددة بشأن مراجعة الحالات، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول القرار.
وفي الدقيقة 93، تعرّض محمد صلاح لعرقلة داخل منطقة الجزاء، لكن الحكم لم يحتسب ركلة جزاء واستمر اللعب، لتسجل الأرجنتين بعدها هدفًا حاسمًا، وهو قرار أثار أيضًا جدلًا تحكيميًا كبيرًا.
إن الحقيقة التي لا يمكن طمسها، بحسب رؤية كاتب المقال، هي أن الفيفا مؤسسة تجارية بحتة تدرّ المليارات من حقوق البث وعقود الرعاية، وأن تتويج مارادونا أو ميسي يمثل استثمارًا ضخمًا من الناحية التسويقية. ومن هنا يرى الكاتب أن هناك فسادًا ممنهجًا يتمثل في التغاضي عن وقائع مثيرة للجدل، واحتساب أهداف، وتجاهل بطاقات، وإلغاء أهداف، وعدم احتساب ركلات جزاء، بما يخدم المنتخب الأرجنتيني.
وهكذا، بينما يظل تاريخ الأرجنتين في المونديال، من وجهة نظر كاتب المقال، محفوفًا بالجدل والوقائع المثيرة للنقاش، تظل الفيفا متهمة بالتغاضي عنها، وكأن روح الرياضة لم تكن يومًا سوى شعارٍ يُرفع لإخفاء صفقات المال وسياسات الهيمنة.
فمتى ينتهي هذا العار؟ ومتى يتوقف الاتحاد الدولي عن التعامل مع الكرة كسلعة تُباع وتُشترى، ويعود بها إلى جوهرها: العدل والمنافسة الشريفة؟ يبدو أن الإجابة ستظل معلقة، ما دام الجدل مستمرًا حول نزاهة بعض القرارات التحكيمية في تاريخ بطولات كأس العالم